ابن بطوطة
35
رحلة ابن بطوطة ( تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار )
ثم إن الترك أرادوا الفتنة وسعوا إلى خليل بوزيره المذكور وزعموا أنه يريد الثورة ، ويقول : إنه أحق بالملك لقرابته من النبي صلى الله عليه وسلم وكرمه وشجاعته ! فبعث واليا إلى المالق عوضا عنه وأمره أن يقدم عليه في نفر يسير من أصحابه ، فلما قدم عليه قتله عند وصوله من غير تتبث ، فكان ذلك سبب خراب ملكه ! وكان خليل لما عظم أمره بغى على صاحب هراة الذي أورثه الملك وجهّزه بالعساكر والمال فكتب إليه أن يخطب في بلاده باسمه ، ويضرب الدنانير والدراهم على سكته فغاظ ذلك الملك حسينا وأنف منه ، وأجابه بأقبح جواب فتجهز خليل لقتاله فلم توافقه عساكر الإسلام ، ورأوه باغيا عليه وبلغ خبره إلى الملك حسين فجهز العساكر مع ابن عمه ملك ورنا والتقى الجمعان ، فانهزم خليل وأوتي به إلى الملك حسين أسيرا فمنّ عليه بالبقاء وجعله في دار ، وأعطاه جارية وأجرى عليه النفقة ، وعلى هذه الحال تركته عنده في أواخر سنة سبع وأربعين عند خروجي من الهند « 72 » . ولنعد إلى ما كنا بسبيله : ولما ودّعت السلطان طرمشيرين سافرت إلى مدينة سمرقند « 73 » ، وهي من أكبر المدن وأحسنها وأتمها جمالا . مبنية على شاطئ واد يعرف بوادي القصّارين عليه النواعير تسقي البساتين ، وعنده يجتمع أهل البلد بعد صلاة العصر للنزهة والتفرج ، ولهم عليه مساطب ومجالس يقعدون عليها ودكاكين تباع بها الفاكهة وسائر المأكولات . وكانت على شاطئه قصور عظيمة وعمارة تنبيء عن علوّ همم أهلها ، فدثر أكثر ذلك ، وكذلك المدينة خرب كثير منها ولا سور لها ولا أبواب عليها ، وفي داخلها البساتين .
--> ( 72 ) عوض ( تركته عنده ) ينبغي أن نقرأ ( بقي عنده ) لأنّ ابن بطوطة لم يمرّ على هرات عند عودته عام 747 - 1347 ( 73 ) تقع سمرقند على الشاطئ الغربي لنهر زرفشان في أزبيكستان الحالية - ابن بطوطة التبس عليه هذا النهر بنهر فولون الذي يجري في نخشب . هدمت المدينة من طرف المغول عام 616 - 1219 ولم تستعد مكانتها الا في القرن الثامن الهجري - أواخر القرن الرابع عشر الميلادي عندما اتخذ منها تيمور عاصمة له وجاء إليها بالعمال والفنانين والعلماء . . . وقد استمتعنا بزيارتها بمناسبة الاحتفالات المقامة على شرف الامام البخاري في غشت 1974 .